ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
641
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
يا أبت ، ما الذي أبكاك ؟ فقال : يا بني ، ذكرت فقدك وانفرادي بعدك . فالتفت إلى أمّه وقال : يا أمّاه ، ما الذي أبكاك ؟ قالت : يا بني لتجرّعي مرارة ثكلك . فالتفت إلى زوجته وقال : ما الذي أبكاك ؟ قالت : لفقدي برّك وحاجتي لغيرك . فالتفت إلى أولاده وقال : ما الذي أبكاكم ؟ قالوا : الذلّ واليتم والهوان بعدك . قال : فنظر إليهم وبكى ، قالوا : فما يبكيك أنت ؟ قال : أبكي لأنّي رأيت كلا منكم يبكي لنفسه لا لي ، أما فيكم من بكى لطول سفري ؟ أما فيكم من بكى لقلّة زادي ؟ أما فيكم من بكى لمضجعي في التراب ؟ أما فيكم من بكى لما ألقاه من سوء الحساب ؟ أما فيكم من بكى لموقفي بين يدي ربّ الأرباب ؟ ثمّ سقط على وجهه فحرّكوه فإذا هو ميّت . وقال بعض الصالحين : بينما أنا أسير في جبال الشام ، وإذا أنا برجل خارج من بين تلك الجبال ، فلمّا رآني استتر عنّي بشجر فقلت : سبحان اللّه ، بخلت عليّ بالنظر إليك ؟ فقال : يا هذا ، إنّي أقمت في هذا الجبل دهرا طويلا أعالج قلبي في الصبر عن الدنيا وأهلها ، فطال في ذلك تعبي وفنى فيه عمري ، فسألت اللّه ( تعالى ) على أن لا يجعل حظّي من عمري في مجاهدة قلبي ، فوجدته قد سكن من الاضطراب وألفت الانفراد ، فلمّا نظرت إليك خفت أن أقع في الأمر الأوّل ، فابعد عنّي . ثمّ صاح : واغمّاه من طول مكثي في الدنيا ثمّ حوّل وجهه عنّي ثم قال : سبحان من أذاق قلوب العارفين لذّة الخدمة وحلاوة الانقطاع إليه ، سبحان من ألهى قلوبهم عن الجنان وعن الحور الحسان ، فلا شيء عندهم ألذّ من مناجاته ، ثم ولّى وهو يبكي . وقال ابن السماك : كنت جالسا عند باب داري إذ جاءني رجل من بعض إخواني فقال لي : إنّ لي ولدا من المرزين في العبادة والمخلصين في الإرادة يقوم الليل ويصوم النهار ، ومع ذلك لا يفتر من البكاء ، وقد أضرّ ذلك ببدنه وأنا عليه خائف أن يهلك ، فأحبّ أن تسأله الرفق بنفسه ، فلعلّه أن ينام في الليل نومة واحدة يقوى بها على عبادة ربّه ( عزّ وجلّ ) قال ابن السماك : قلت : نعم إن شاء اللّه ( تعالى ) . فبينما هو يخاطبني إذ طلع علينا شابّ له نور كالبدر ووجهه قد علاه اصفرار ، ناحل الجسم ، فقال : يا أبا بكر ، هذا ولدي . فقلت له : حبيبي ، إنّ اللّه ( عزّ وجل ) قد فرض عليك طاعة أبيك ونهاك عن معصيته وقد سألني أن أسألك حاجة قال : وما هي أيها الشيخ ؟ قلت : تفطر في الجمعة مرة وتنام في الليل نومة فإنك تقوى بذلك على عبادة اللّه ( عزّ وجل ) ، فقال : أما واللّه لقد طلب مني التقصير في العمل قبل حلول الأجل ، أيها الأستاذ إني تابعت إخوانا على